علي بن محمد بن عباس ( أبي حيان التوحيدي )

17

البصائر والذخائر

يعصوه أبدا ، فلذلك صاروا مخلّدين . 14 - المتكلّمون لا يرضون بهذا الجواب ، ولا يعجبون به ، ولا يميلون إليه ، وما أكثر ما يزيّفون الرواية ، ويقدحون في الأثر ، ويستبدّون بالرأي ، ويفزعون إلى القياس ، وليتهم مع هذه الجرأة على الرّدّ ، والإقدام على الحكمة ، كانوا يجانبون الهوى ، ويعافون الاختلاف ، ويعلمون أنّ اللّه نهى عن التفرّق في الدّين ، ومنع من إيثار الشّكّ على اليقين ، ودين اللّه محميّ الحريم ، عزيز الجانب ، لا يتلقّى بالتعسّف والتكلّف ، ولا يتناول بالتّقعّر والتّنطّع ، وما شمت الحاسد المرصد ، والطّاعن الملحد ، حتى رأى علماء الدّين وأنصار الشّريعة يموجون في نحلهم ، ويكفّرون أهل القبلة على اعتقادهم ، ويحيّرون المسترشد ، ويغوون الرّشيد ، ويصدّون بالاختلاف عن الائتلاف ، ويسرعون إلى الإنكار قبل الاعتراف ، ويظنّون أنّ عقولهم كافية ، وألفاظهم شافية ، وأنّ اللّه راض عنهم لصنيعهم ، غير مؤاخذ لهم على تضييعهم ، فلا جرم واللّه ذهب بهيبتهم ، ونزع البهاء عن وجوههم ، ووكلهم إلى أنفسهم حتى خبطوا كما تحبط العشواء ، وضلّوا كما تضلّ العمياء ، وجعل مصيرهم إلى دار البذاءة ، وألجأهم إلى الحسرة والنّدامة ، ولو سكتوا عمّا سكت عنه ، وقالوا بما أمروا به ، وضرعوا إلى اللّه سبحانه فيما أشكل عليهم منه ، أراح اللّه قلوبهم من كدّ الفكرة ، وأزاح عللهم بالأنباء والعبرة ، وعذرهم فيما عجزوا عنه ، وقبلهم على ما تقدّم إليهم به ؛ ولكنّهم أعجبوا ببعض الإصابة فتهوّروا مع كثير الخطأ ، وكذلك يفعل اللّه بمن لا يحفظ شرائط العبوديّة ، ولا يقف [ عند ] حدود البشريّة ، ولا ينصاع لأمر « 1 » الألوهيّة ، ولا يسلّم للّه أحكام الرّبوبيّة ، ولكن يطلب العلّة الخافية عليه وما طولب بها ، ويبحث عن الحكمة المطويّة عنه وما سئل عنها ، ويفرض اللّه كأنّه شريكه في الملك ، ويقول لم وكيف وهو جاهل بما هو فيه ، وبما كوشف به ،

--> ( 1 ) ح : ولا ينصال ( دون إعجام ) أمر .